العيني

164

عمدة القاري

وسكن غضبه . وجرير هو ابن عبد الحميد ، والأعمش سليمان . والحديث قد مضى في : باب صفة إبليس وجنوده ، وفي : باب السباب واللعن ، ومضى الكلام فيه . قوله : ( إني لست بمجنون ) أما هذا فكان منافقاً أو أنف من كلام أصحابه دون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم . 6116 حدَّثني يَحْياى بنُ يُوسُفَ أخبرنا أبُو بَكْرٍ هُوَ ابنُ عَيَّاش عَنْ أبي حَصِين عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، أنَّ رَجُلاً قال للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : أوْصِنِي . قال : لا تَغْضَبْ ، فَرَدَّدَ مِراراً قال : لا تَغْضَبْ . مطابقته للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم ، حذره من الغضب بقوله : ( لا تغضب ) . ويحيى بن يوسف الزمي بكسر الزاي وتشديد الميم وليس له في البخاري إلاَّ عن أبي بكر بن عياش بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة القاري الكوفي ، وأبو حصين بفتح الحاء المهملة وكسر الصاد المهملة واسمه عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي ، وأبو صالح ذكوان الزيات السمات . والحديث أخرجه الترمذي في البر عن أبي كريب بأتم منه . قوله : ( أن رجلاً ) قيل : إنه جارية بالجيم ابن قدامة ، أخرجه أحمد وابن حبان والطبراني من حديثه مبهماً ومفسراً ويحتمل غيره . قوله : ( لا تغضب ) إنما قال صلى الله عليه وسلم : لا تغضب ، لأنه صلى الله عليه وسلم كان مكاشفاً بأوضاع الخلق فيأمرهم بما هو الأولى بهم ، ولعل الرجل كان غضوباً فوصاه بتركه . وقال البيضاوي : لعله لما رأى أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان إنما هي من شهوته وغضبه ، والشهوة مكسورة بالنسبة إلى ما يقتضيه الغضب ، فلما سأله الرجل الإرشاد إلى ما يتوسل به إلى التحرز عن القبائح وعن الغضب الذي هو أعظم ضرراً وأكثر وزراً ، وأنه إذا ملكها كان قهر أقوى أعدائه أمره بها ، وقال الخطابي : معنى : لا تغضب ، لا تتعرض لأسباب الغضب وللأمور التي تجلب الغضب إذ نفس الغضب مطبوع في الإنسان لا يمكن إخراجه من جبلته ، أو معناه : لا تفعل ما يأمرك به الغضب ويخملك عليه من الأقوال والأفعال . 77 ( ( بابُ الحَياءِ ) ) أي : هذا باب في بيان فضل الحياء ، وهو بالمد فسروه بأنه تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم . 6117 حدَّثنا آدَمُ حدثنا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أبي السَّوَّارِ العدَوِيِّ قال : سَمِعْتُ عِمْرَان بنَ حُصَيْنِ قال : قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : الحَياءُ لا يأتي إلاَّ بِخَيْرٍ . مطابقته للترجمة ظاهرة . وأبو السوار بفتح السين المهملة وتشديد الواو وبالراء حسان بن حريث مصغر الحرث الزرع على الصحيح ، وقيل : حجير بن الربيع ، وقيل غير ذلك . والحديث أخرجه مسلم في الإيمان عن ابن المثنى وابن بشار كلاهما عن غندر عن شعبة . قوله : ( الحياء لا يأتي إلاَّ بخير ) معناه أن من استحى من الناس أن يروه يأتي بالفجور وارتكاب المحارم فذلك داعيه إلى أن يكون أشد حياءً من الله تعالى ، ومن استحى من ربه فإن حياءه زاجر له عن تضييع فرائضه وركوب معاصيه ، والحياء يمنع من الفواحش ويحمل على البر والخير كما يمنع الإيمان صاحبه من الفجور ويبعده عن المعاصي ويحمله على الطاعات ، فصار الحياء كالإيمان لمساواته له في ذلك ، وإن كان الحياء غريزة والإيمان فعل المؤمن ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : الحياء من الإيمان أي : من أسبابه وأخلاق أهله . وقال الكرماني : صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يعظمه أو يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق ، ثم أجاب بأن هذا عجز ، وروى أحمد من رواية خالد بن رباح عن أبي السوار عن عمران بن حصين : الحياء خير كله ، وروى الطبراني من رواية قرة بن إياس ، قيل : يا رسول الله ! الحياء من الدين ؟ قال : بل هو الدين كله . فقال بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ : مَكْتُوبٌ في الحِكْمَةِ : إنَّ مِنَ الحَياءِ وقاراً ، وإنَّ مِنَ الحَياءِ سَكِينَةً . فقال لَهُ عِمْرَانُ : أُحَدِّثُكَ عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ ؟